محمد بن أحمد الفاسي
155
العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين
قلاوون لم يدخل في يمينه المنصور وابنه الصالح ، لكون الأشرف لم يسم فيها فإن كان تأول ذلك ، فهو تأويل غير مستقيم لدخوله في قوله في اليمين : وطاعة أولادهما . وأظن أن الحامل لأبى نمى على تقديم صاحب اليمن على صاحب مصر : كون صلته أعظم من صلة صاحب مصر ؛ لأن العاقل لا يفعل أمرا يلحقه فيه ضرر إلا لنفع أكبر . وكانت صلة صاحب اليمن لأبى نمى عظيمة ، على ما وجدت في مقدارها ؛ لأن بعض الناس ذكرها ، وذكر شيئا من حال صاحب اليمن بمكة ، وحال أبى نمى معه . وذلك مما يحسن ذكره هنا . ونص ذلك : وقد كان الملك المؤيد لما تسلطن : جهز تلك السنة علمه المنصور ، ومحمل الحج السعيد ، صحبة القائد ابن زاكى ، فتلقاه الشريف أبو نمى صاحب مكة بالإجلال والإكرم ، وخفقت ذوائب العلم المنصور على جبل التعريف بعرفة ، وأعلن مؤذنه على قبة زمزم بمناقب السلطان على رؤوس الأشهاد . وسمع تلك الأوصاف من ضمه ذلك المقام الشريف ، وحلف للسلطان الملك المؤيد الأيمان الغليظة ، وكتب على قميصه ، ما يقتضى ما جرت به العادة . ووصل إلى الشريف - المذكور - ما اقتضته المواهب السلطانية مما كان قرره الخليفة : من العين ، والغلة ، والكساوي ، والطيب من المسك ، والعود ، والصندل ، والعنبر ، والثياب الملونة ، والخلع النفيسة . وكان مبلغ العين : ثمانون ألف درهم ، ومبلغ الغلة : أربعمائة مد . انتهى من كتاب « العقود اللؤلؤية في أخبار الدولة الرسولية » لبعض مؤرخي اليمن في عصرنا . والذي يصل لصاحب مكة من صاحب اليمن : نحو ربع ذلك أو أقل ، ومبلغ الطعام المذكور بكيل مكة : ألف غرارة ومائتا غرارة مكية . وذلك في عصرنا . والخليفة - المشار إليه - هو الملك المظفر ، والد الملك المؤيد . ووجدت بخط ابن محفوظ أيضا : أن أمير الركب في سنة اثنتين وتسعين وستمائة : استحلف أبا نمى على الرواح إلى مصر ، فأعطاه ألف دينار . فعزم في سنة ثلاث وتسعين ، ثم رجع من ينبع لما بلغه موت الأشرف . انتهى . ووقع من أبى نمى في حق الملك الظاهر بيبرس صاحب مصر ما أوجب انحرافه منه غير مرة .